في ظل البحث المستمر عن مصادر جديدة للنمو الاقتصادي واستقطاب العملات الأجنبية، تبرز ​السياحة البحرية​ أو سياحة "الكروز" من أكثر القطاعات السياحية ديناميكيةً على مستوى العالم. فهذه الصناعة لم تعد تقتصر على الرحلات الترفيهية في البحار والمحيطات، بل تحوّلت إلى رافعة اقتصادية تدرّ مليارات الدولارات سنوياً على المدن والموانئ التي تستقبل السفن السياحية.

وبينما نجحت دول عدة في حوض ​البحر المتوسط​ في تحويل موانئها إلى محطات رئيسية على خريطة الكروز العالمية، لا يزال ​لبنان​، رغم موقعه الاستراتيجي ومقوّماته السياحية المتنوعة، خارج هذا المسار إلى حدٍّ بعيد. فهل يستطيع استعادة مكانه على تلك الخريطة؟ وما التحديات والفرص التي تواجه هذا القطاع؟

قطاع يتجاوز السياحة

سياحة "الكروز" هي الرحلات التي تُنظّمها السفن السياحية الضخمة، حيث يقضي المسافرون أياماً أو أسابيع على متنها مع توقف في موانئ مختلفة للقيام بجولات سياحية. وتكتسب هذه السياحة أهمية اقتصادية كبرى، إذ تدرّ مليارات الدولارات سنوياً على الاقتصادات المحلية، وتوفّر آلاف فرص العمل في الموانئ وقطاعات النقل والمطاعم والفنادق، وتُنشّط حركة التسوق والخدمات السياحية والثقافية، كما تُشجّع الاستثمار في البنية التحتية البحرية.

وكما تُلاحظ مصادر مواكبة لهذه العمليات السياحية، فإن "راكب الكروز ينفق أموالاً في المرفأ الذي يزوره حتى لو لم يُمضِ ليلة واحدة فيه، مما يجعل المدن الساحلية تتنافس على استقطاب هذه السفن وتحويل موانئها إلى محطات أساسية في برامج الرحلات العالمية".

نجاح متوسطي لافت

خلال العقدَين الماضيَيْن، تحوّل البحر المتوسط إلى أحد أهم أسواق "الكروز" في العالم بعد منطقة الكاريبي، وتمكّنت دول عدة من استقطاب هذه السفن وتحويلها رافعةً اقتصادية وسياحية. ففي ​إيطاليا​، تستقبل موانئ ​روما​ والبندقية وجنوى ملايين المسافرين سنوياً وباتت محطات رئيسية على خطوط "الكروز" الدولية. وفي هذا السياق ارتقت ​برشلونة​ في إسبانيا إلى مصاف أهم الموانئ السياحيّة في العالم. كذلك استثمرت اليونان في هذا القطاع، فباتت جزر سانتوريني وميكونوس تعتمد بصورة كبيرة على زوار السفن السياحية، وتستقبل بعضها آلاف السياح يومياً في موسم الذروة.

كما تمكّنت كرواتيا من تحويل مدينة ​دوبروفنيك​ من مدينة تاريخية صغيرة إلى محطة رئيسية في برامج "الكروز" العالميّة، فيما استثمرت ​تركيا​ في تطوير مرافئ حديثة وربطت السياحة البحرية ب​السياحة الثقافية​ والتجارية، مما عزّز موقعها على خريطة الرحلات البحرية.

فرصة لبنانية غير مستثمرة

رغم نجاح هذه الدول، لا يزال لبنان بعيداً عن الاستفادة الكاملة من هذا القطاع، على الرغم من امتلاكه مقوّمات جوهرية. إذ يتمتع بموقع استراتيجي في شرق المتوسط بين أوروبا وقناة السويس والخليج، وبقربه من ​قبرص​ يُتيح لسفن "الكروز" الوصول إلى بيروت في ساعات. ويُشكّل تنوّع مواقعه السياحية نقطة قوة أساسية؛ فالسائح قادر في يوم واحد على زيارة مواقع أثرية وثقافية ودينية متنوعة، وهي ميزة لا تتوافر بسهولة في وجهات منافسة كثيرة.

ويتميّز لبنان أيضاً بتنوع منتجه السياحي الجامع بين الآثار الرومانية والفينيقية والمطبخ اللبناني والحياة الثقافية والسياحة الدينية، فضلاً عن انتشار جاليات لبنانية واسعة حول العالم يمكن أن تُشكّل عاملاً إضافياً في جذب بعض الرحلات البحرية.

عوائق أمام العودة

بيد أن عودة لبنان إلى خريطة السياحة البحرية تصطدم بعقبات جوهريّة، أبرزها الوضع الأمني؛ إذ تضع شركات "الكروز" الاستقرارَ الأمني في مقدّمة معايير اختيار وجهاتها، وأي تصعيد في جنوب لبنان أو في شرق المتوسط ينعكس فوراً على قراراتها. يُضاف إلى ذلك أن انفجار ​مرفأ بيروت​ عام 2020 ألحق ضرراً بالغاً بصورة المرفأ وقدراته التشغيليّة، فوق ما يعانيه القطاع من ضعف في البنية التحتيّة وغياب رؤية وطنية متكاملة لتطوير السياحة البحرية واستقطاب الشركات العالمية.

كيف يمكن استعادة القطاع؟

رغم هذه التحديات، تؤكد مصادر أن استعادة القطاع لا تزال ممكنة، وتعتبر أن الخطوة الأولى تتمثّل في توفير حدٍّ أدنى من الاستقرار الأمني والسياسي، لأن شركات الكروز لن تعود في ظل بيئة غير مستقرة. ويحتاج مرفأ بيروت إلى مزيد من التطوير عبر تحديث محطة الركاب وتحسين الخدمات اللوجستية وتيسير إجراءات دخول السياح، إلى جانب إطلاق خطة تسويق دولية تستهدف شركات "الكروز" العالميّة لإعادة إدراج بيروت ضمن برامجها.

كما يستلزم نجاح هذه الخطة ربط المرافئ بالمواقع السياحية عبر مسارات نقل سريعة ومنظّمة، وتعزيز الشراكة بين القطاعَين العام والخاص للاستفادة من الخبرات والاستثمارات اللازمة.

فرصة مؤجلة

يمتلك لبنان مقوّمات حقيقية تؤهّله للعودة إلى خريطة السياحة البحرية، من موقعه الجغرافي المميز إلى تنوّعه الثقافي والتاريخي والطبيعي وقربه من أبرز مسارات الملاحة في شرق المتوسط. غير أن تحويل هذه المقوّمات إلى فرص اقتصادية فعلية يتطلب أكثر من عناصر الجذب السياحي؛ فالإستقرار الأمني والسياسي والاستثمارات في البنية التحتية البحرية ووضع استراتيجية وطنية واضحة هي وحدها كفيلة لاستعادة شركات الرحلات البحرية العالمية.

وفي وقت تتنافس فيه دول المنطقة على استقطاب هذا النوع من السياحة لما يوفّره من إيرادات وفرص عمل، يبقى السؤال: هل يتمكن لبنان من استعادة موقعه وجهةً بحرية واعدة، أم أن هذه الفرصة ستظل مؤجّلة بانتظار ظروف تُتيح له العودة إلى قلب حركة السياحة في البحر المتوسط؟